أبو حامد الغزالي
186
تهافت الفلاسفة
موجود ، لأن وجود النهار لا سبب له سوى طلوع الشمس ، فكان أحدهما منعكسا على الآخر . وبيان هذه الأوضاع والألفاظ ، يفهم في كتاب « معيار العلم » الذي صنفناه مضموما إلى هذا الكتاب . فإن قيل : نحن ندّعى التعاكس ، وهو أن المانع محصور في المادة ، فلا مانع سواها . قلنا : هذا تحكّم ، فما الدليل عليه ؟ ! الفن الثاني : قوله : إنا وإن لم نقل : إن الأول مريد للإحداث ، ولا إن الكل حادث حدوثا زمانيا ، فإنا نقول : إنه فعله ، وقد وجد منه ، إلا أنه لم يزل بصفة الفاعلين ، فلم يزل فاعلا ؛ ولا نفارق غيرنا إلا في هذا القدر ، وأما في أصل الفعل فلا ؛ وإذا وجب كون الفاعل عالما - بالاتفاق - بفعله فالكل عندنا من فعله . والجواب من وجهين : أحدهما ، أن الفعل قسمان : ( ا ) إرادى ، كفعل الحيوان والإنسان . ( ب ) وطبيعي ، كفعل الشمس في الإضاءة ، والنار في التسخين ، والماء في التبريد . وإنما يلزم العلم بالفعل ، في الفعل الإرادى ، كما في الصناعات البشرية ، وأما في الفعل الطبيعي فلا . وعندكم أن اللّه سبحانه وتعالى ، فعل العالم بطريق اللزوم عن ذاته ، بالطبع والاضطرار ، لا بطريق الإرادة والاختيار ، بل لزم الكلّ ذاته ، كما يلزم النور الشمس ؛ وكما لا قدرة للشمس على كفّ النور ، ولا للنار على كفّ التسخين ،